إعلان أدسنس 468x60

متسكعون في شوارع النضال سابقا

أكتب لك كلماتي الصادقة جدا، من على مكتبي الفخم،تحيط بي من كل جانب لوحات فنية،اخترتها بذوقي الرفيع كما تعرفين.فأنا فنان ،وسليل عائلة فنية، يشهد لها الجميع بالذوق والإبداع والتجديد الدائم.

أنظر إلى البحر الهادئ جدا من خلال زجاج نافذتي،أحلم يوما أن أرى الهدوء يعم كل أرجاء بلادي.فلا نسمع أخبارا منغصة عن تلك المظاهرات البئيسة،ولا صدى لتلك الاحتجاجات المتزايدة.

أتساءل بكل صدق : لماذا يخرج هؤلاء الناس في مظاهرات ويدمنون الاحتجاجات كأنها وحدها شغلهم الشاغل؟

تتساءلين ،ولا شك باستغراب كبير،هل تراني نسيت أيام النضال التي طبعت حيزا كبيرا من حياتي؟

من قال لك أن تلك الصرخات والصرعات كانت من نوع النضال الذي تعارف عليه كبار المناضلين في كل العالم؟.تلك كانت مجرد خرجات إعلامية،القصد منها إحداث أكبر ضجة لإثارة الانتباه.

كنا نتسكع في الشوارع رافعين تلك اللافتات المكتوبة بشكل عشوائي،عسانا نُبلغ رسالتنا لمن يهمه الأمر بشكل سريع وصريح.

وبالفعل وصلت الرسالة بسرعة قصوى،وكان الربيع العربي ساعي البريد الذي أوصل الرسالة إلى محطتها الأخيرة.ها نحن نبدأ مرحلة جديدة ربما لا تختلف كثيرا عن باقي المحطات,لكن سمتها الرئيسية،جولة من النضال خلف المكاتب الوثيرة،وتحت أضواء الكاميرات،وبملابس أنيقة،تلك التي يقولون عنها ( signé) وأشياء أخرى مما تعرفين أو لا تعرفين.وخير لك ألا تعرفي..

دعيك من الكلمات الكبيرة جدا………..إنسي تلك الشعارات البراقة.ذلك زمان مضى ولن يعود.

لأنه لم يعد في هذا البلد فقراء لتلك الدرجة التي كنا نتصور من خارج اللعبة.

وليست هناك منافع أو مصالح يتنعم بها الكبار من غير الصغار… بل كل ما في الأمر أن رؤيتنا من الخارج كانت مشوشة.كان الاضطراب يمنعنا من التدقيق …أما الآن فقد توضحت الرؤية،وتجلت الحقيقة،وأصبحنا نخوض معركة البناء من قريب،وعلى علم بالأرقام والبيانات وكل المعطيات.

وبناء عليه،وحسب الرؤية الجديدة،فإن من يملك ألفا وخمسمائة درهم كدخل شهري،بإمكانه أن يعيش محترما،وكرامته مصونة،وصغاره في حدود الأربعة أو حتى الثمانية سيشبعون لحما،فإن سئموا مذاق اللحم،جففوه وجعلوه قديدا يدخرونه لفصل الشتاء.

ليس هناك داع للاحتجاج، ولا داع للخروج في مظاهرات تحاكي ألعاب السيرك.وليحتفظ المناضلون الآخرون بطاقتهم من النضال للأيام المقبلة.الآن فقط تحققت كل المطالب السياسية والحقوقية…تلك الحفنة من المطالب الاجتماعية سوف تتحقق قريبا.

الأجور في زمننا …زمن الحقيقة سوف يخف وزنها أكثر،لتزداد بركتها بدعائنا لمجموع المعذبين في الأرض،الذين يسمون – مَجازا – موظفين…. بركاتك يا شيخ محمود !!

التعليم انتشر وتكاثرت الجامعات ،وأصبح ولوجها في متناول الجميع… وهذا خطر منذر بعواقب وخيمة،لا بد أن تلغى المجانية…متى كان التعليم مجانيا؟ متى سمعتم أن النور،وهو طاقة في نهاية المطاف،يقدم للمحرومين هدية مجانية على طبق من ذهب؟

لا بد من نظرة واقعية لحل كل المشاكل العالقة.

فحين ترتفع أثمنة المحروقات،تستريح كثير من المخلوقات.

لأن الشعار الذي ينبغي رفعه في هذه المرحلة الحساسة،يقول بكل وضوح: " كم حوائج قضيناها بتركنا لها ".

تصوري لو استغنى المواطنون عن هذه الأشياء التي تثقل كاهلهم، فبدل ركوب السيارات عليهم بركوب العربات، ولا يهم من سيجرها أو يدفعها….

وبدل السجائر المذهبة يدخنون السجائر السوداء……….

وبدل آفة اللحوم الحمراء والبيضاء التي تبث ضررها على الصحة العامة يكتفون بالكفاف والعفاف والغنى عن الناس، ولهم منا الدعاء الحار حرارة العصيدة في قدر يغلي فوق الحطب المشتعل..

وهذا الحطبُ في حد ذاته يغنيهم عن الغاز وباقي المحروقات..

وحتى مع ارتفاع ثمن المحروقات،فإن هذا لا يؤثر على أثمان المأكولات والمشروبات و"المخبوزات" والملبوسات وكل المقتنيات ..

ولماذا يفكر كل هؤلاء الخيجون في الوظائف والمكاتب الوثيرة،هل سبق لهم أن ناضلوا كما ناضلنا؟ أو تظاهروا كما "تظاهرنا"؟ إن رزق الله في أرض الله… فما عليهم إلا أن ينتشروا.نحن مستعدون أن نوقع لهم مرسوم الانتشار والسعي والضرب في الأرض.ولهم أيضا الدعاء بالمجان…

هذه أوهام وعادات وجب التخلص منها.يكفي الآن استحضار معاني الشجاعة والقناعة والمناعة ضد عدوى الاحتجاج.وبعدها فإن المستقبل لا يمكن أن يكون إلا مُبهجا.

حتى من كنا نعتقد أنهم أبناء صهيون، اكتشفنا عن قرب أنهم دعاة سلام.

فكفانا تسكعا في شوارع النضال…

وكفانا حلما بغد مشرق فقط في دنيا الخيال.

Adnan.lah@gmail.com

اترك رد