إعلان أدسنس 468x60

قرية ارشيدة بدائرة جرسيف

 

 

تعميما للفائدة أعيد نشر التحفقيق الذي سبق لي أن نشرته على صفحات جريدة الصباح،

تعد قرية رشيدة معبرا استراتيجيا، تربط سلسلة جبالها  التي وتسترشد بها القوافل التجارية كلا من تافيلالت وتلمسان، 

انطلاقا من مدينة جرسيف وفي اتجاه الجنوب الشرقي، وبعد قطع أكثر من 50 كلم من الطريق المعبد الضيق التي لا تتسع لحركة سيارة ودارجة نارية، وفوق مرتفع سماه ليوطي بشرفة، تحط سيارة النقل المزدوج السريع الرحال قرية رشيدة التابعة للجماعة القروية المريجة في دائرة جرسيف بإقليم تازة.

الطريق الرابط بين جرسيف وميدلت عبر وبولمان مرورا بمركز لمريجة وبمحاذاة قرية ارشيدة لا يستوعب أكثر من سيارة واحدة بسبب ضيقه وحالته المتردية بسبب غياب تقويته وصيانته. فعلى السائق الانزياح عن الإسفلت التي تطغى عليه بدوره الحفر بسيارته في حالة التلقائية مع أخر تسير في الاتجاه المعاكس أو تحاول تجاوزه، مما يتسبب في مخاطر لمستعملي الطريق الإقليمي الرابط بين تازة وبولمان، تقع القرية في مكان يشرف على حوض ملوية تحت جبال تقيها من رمال الجنوب ورياحه، فضاء له من المؤهلات السياحية ما يمكنه من الإسهام  في النهوض بالتنمية المحلية التي ما أحوج سكان المنطقة إليها، تتوفر قرية رشيدة على مؤهلات سياحية جديرة بالاهتمام وفي حاجة إلى من يعرف بها محليا ووطنيا ودوليا. قرية تزاوج فيها الجبل والسهل والغابة، قلعة ذات مناظر طبيعية خلابة، توجد على علو 1300 متر، وتطل على حوض ملوية الأوسط، بها مياه عذبة تتدفق عبر سواق إسمنتية تنبع من عين دائمة تقع بمدخل التجمع السكني وكأنها شرفة كما سماها الجنرال اليوطي الذي كان يفضل الجلوس بها ويطل عبرها على الحوض. مؤهلات لم تحرك لدى المنتخبين والسلطات المحلية أدنى لتبقى لكن تأهيلها  في طي الإهمال والنسيان .

 

من الله على قرية ارشيدة معقل الشرفاء اليعقوبيين بطبيعة خلابة ومياه عذبة، قرية غنية بغطائها النباتي في مقدمته  "أزير" الذي تستخرج منه زيت تدخل في الصناعة الصيدلية وإلى جانبه بنات "الحلفة" وأشجار البلوط (الكريش) ونباتات أخرى ذات أهمية كبيرة وخصائص إيكولوجية واقتصادية، لكن غطاء القرية الغابوي يتعرض منذ أكثر من عقدين لأضرار بالغة من جراء اجتثاثه والإفراط في استغلاله من طرف المقاولين إما بصفة قانونية أو غير قانونية. وما زاد من إتلاف الغطاء الغابوي بالمنطقة هو الحريق الذي  تعرضت له غابة المنطقة في صيف 2000.

 أغلب سكان المنطقة من المحافظين، وهم يعتمدون في عيشهم على تربية الماشية وخصوصا الماعز والفلاحة المحدودة وأنشطة تتعلق بالصناعة التقليدية، توجد على رأسها الأواني الفخارية التي تعتبر تحفا فنية ذات قيمة تاريخية تزخر بها القرية ومقر جمعيتها التنموية.

يتعمد السكان في تسيير معاملاتهم اليومية على وحدات اعتباطية، فهم شرفاء محافظون وكرماء فطريون نادرا ما يلجأون للمحاكم، يحتكمون إلى الأعراف وفقهاء القرية وحكمائها لحل النزاعات وتوزيع الماء لري الحقول الصغيرة عبر سواق معتمدين في ذلك على نظام الأرباع مستعملين مصطلحات لتنظيم التوزيع نذكر منها: تانكنفورت وتازروت…وهو نفس النظام الذي يعتدمه سكان الراشدية في تافيلالت التي لها صلة تاريخية وثيقة بقرية ارشيدة في إقليم تازة، نظام توزيع الماء بين السكان يعتمد على طلوع الشمس ورواحها وصلوات العصر والظهر والفجر.. أما قيمة حصة الماء الخاص بالسقي (لمن يرغب في الاستغناء عنها) فتفوق أحيانا 30 ألف درهم في السنة. ولا زال بعض السكان يستعملون الدرع والشبر والقدم كوحدات اعتباطية لقياس الأطوال.

تضاربت الآراء حول تسمية القرية بـ "ارشيدة، فإذا كان بعض الباحثين ربط الاسم بالمولى الرشيد الذي مكث بالقرية لمدة غير قصيرة، علما أن المولى سبقه في الإقامة بها لمدة 14  يوما، فإن باحثين آخرين ربطوا اسم القرية باسم إحدى قريبات  الولي الصالح المولى  سيدي يعقوب أو إحدى الشريفات المتصوفات، واعتقدت فئة ثالثة أن الموقع الاستراتيجي للقرية الواقعة على سلسلة جبال الأطلس التي كانت قوافل التجارة والحجاج وجيوش الفتح وصد العدو تستعين وتسترشد بقمم جبالها في سيرها هو القريب من الصواب (أرشد يرشد…)، واصطلح عليها ابن الجزي الكلبي على القرية  "دخيسة الشرفاء" أبناء سيدي يعقوب بن يوسف المغاري، دفين ارشيدة، الذي يعد من أحفاد المولى عبد الله امغار دفين مدينة الجديدة. تحتضن ارشيدة  ضريح الولي الصالح سيدي يعقوب المعروف عند أهل البلد والشرفاء اليعقوبيين بـ "مولى قبرين" الذي عايش القرن التاسع الهجري، ويفسر أهل البلد هذه التسمية بوقوع نزاع بين طائفتين حول مكان دفن الولي الصالح، فالطائفة الأولى ترى أنها أقرب نسبا على الولي من الأخرى وبالتالي فلها الأسبقية في دفن جثمان الولي بدوارها، وترى الثانية أنها صاحب هذا الحق،  ولما بلغ الصراع ذروته تدخل أحد حكماء وعقلاء القوم بعدما رتب أمره فدعا الطرفين المتنازعين إلى عودة كل واحد منهما إلى منطقته ليجد قبر جده الشريف، ولما وصل  كل فريق إلى مدشره وجد قبرا جديدا، مما يعني أنه حصل على بركة الولي الصالح ذي القبرين.

ومن الأشياء التي أثارت فضول الباحثين هو اتجاه قبلة المسجد العتيق وضريح سيدي طلحة الموجودين بقرية ارشيدة نحو بيت المقدس عوض مكة. توجد بالقرية/الزاوية مدرسة عتيقة وغلى جانبها محكمة عتيقة أيضا بنيت بالتراب (الحمري) قست عليها  الطبيعية وهي آيلة للانهيار وتستدعي التدخل الفوري لإنقاذها كتراث إنساني ومعلمة تؤرخ لحقبة تاريخية.

وبحسب أهل البلد والباحثين، فإن خزانة الضريح كانت غنية بالمخطوطات وأمهات الكتب في جميع الاختصاصات، لكنها تعرضت للنهب والتهريب على يد بعض المفكرين والباحثين والسكان الذين غادروا القرية في اتجاه تازة أو فاس أو مكناس. وتضيف مصادر متطابقة من عين المكان أن حريقا شب بهذه الخزانة في العام 1930، ولعله أمر مدبر لطمس النهب الذي تعرضت له أمهات الكتب التي كانت تزخر مها الخزانة. ومن أهم الكتب التي اختفت من خزانة القرية مصحف مكتوب على جلد الغزال تم نقله منها إلى مراكش.

تعد ارشيدة قلعة العلماء والعلوم الشرعية، وقد كانت لها دار للنسخ بواسطة آلة بسيطة لازالت شاهدة على عصرها. وبحسب العارفين بأمور القرية وكنوزها العلمية فإن أحد مفتشي التعليم الابتدائي ألف سنة 1970– 1971 كتبا مستعينا بمخطوطات من خزانة ارشيدة، لكنه لم يشر إلى المراجع التي اعتمدها عند حلوله بالقرية وتنقيبه في مراجعها. كما استغل بعض الزوار كرم وسخاء السكان وفقرهم وفطريتهم ونقلوا تحفا إلى مدينة مراكش بأثمنة زهيدة ومنها مصحف مكتوب على جلد الغزال ومخطوطات أخرى تهم علوم الفيزياء والرياضيات، وتضيف مصادر مطلعة أن بعض الكتب والمخطوطات التي كانت بخزانة ضريح المولي يعقوب بارشيدة توجد بالخزانة الملكية ومنها ديوان للحبيب اليعقوبي (القرن 13) وأخرى بفرنسا والجزائر، كان لضريح الولي الصالح مولاي يعقوب دور هام في محاربة الأمية ونشر العلوم وعلى رأسها علوم الفقه والدين والشريعة وحفظ القرآن.

في محاولة للنهوض بالمنطقة، تأسست جمعية تنموية بارشيدة وضعت ضمن أهدافها التعريف بالمنطقة ولفت أنظار المستثمرين إلى أهمية المؤهلات السياحية الجبلية لحثهم على الاستثمار في هذا القطاع مع دعوة المسؤولين إلى الحرص على الاستغلال العقلاني للثروة الغابوية التي يتعرض غطاؤها لاجتثاث  المفرط والرعي غير المنظم والحرائق متكررة وآثار الجفاف.

 

 

اترك رد