إعلان أدسنس 468x60

مدينة تازة بين الماضي الجميل ونكبة الحاضر

مدينة تازة بين الماضي الجميل ونكبة الحاضر

               بقلم:  فتيحة التوزاني أستاذة التعليم العالي بالكلية متعددة التخصصات بتازة

تلك تازة الأمس التي عدت من أقدم المدن العالمية تاريخيا،ومن المدن الحضارية في المغرب ،كما كتب عنها لسان الدين ابن الخطيب “من مدينة تازة إلى قرية فاس” ،مدينة تفصل بين شرق المغرب وغربه، مما أهلها لتكون محل اهتمام السلاطين ،فهي ممر حيوي، ومن أهم الحصون التي كان يستحيل السيطرة على المغرب دون تبعية أهل وقبائل تازة ،فاتخذها المرين يون عاصمة لهم وافردوها بمجموعة من المعالم المعمارية هي مفخرة للمدينة اليوم.

تلك تازة الأمس التي لعبت أدوارا طلائعية في مقاومة الاستعمار،أنجبت ابطالا ضحوا من أجل وطنهم وملكهم فسمي حي من اكبر الاحياء بالمدينة باسمهم وهو حي الشهداء تقطنه عائلاتهم وزوجاتهم.

تلك تازة الأمس التي حين كنت حين تطل على مدينتها القديمة تستنشق الهواء النقي من باب الريح ،وتسلك دروبها وأزقتها القديمة فتتحسس عراقة المدينة وحضارة ساكنتها ،وتشبثهم بتقاليدهم المغربية الأصيلة.

تلك تازة الأمس التي كانت في زمن بعيد تحتضن أجمل وأكبر المسابح في البلد يتردد عليه ساكنوها بحثا عن الاستجمام والراحة ،في وقت كانت أغلب المدن المغربية مجرد مدن قرى لا تتوفر على دونيات العيش الكريم.

تلك تازة الأمس أما اليوم فهي المدينة المنكوبة ،فما هي من مدن المغرب النافع التي عرفت انتعاشا وقفزات اقتصادية،ولاهي من مدن المغرب الغير النافع التي توضع في سلة المنتظرات تنتظر هي كذلك نصيبها من التنمية الاقتصادية والاجتماعية ،بل هي تازة المدينة الموضوعة انفراديا في سلة النسيان، نسيان ماضيها العتيق وحضارتها المجيدة،وكسائها بحاضر الإقصاء والتهميش والوعيد المجهول.

هي تازة اليوم بتضاريسها الوعرة ومناخها القاسي البارد شتاء والساخن صيفا ،لا يعاني ساكنتها من هذه التضاريس وهذا المناخ ،بقدر معاناتهم من تهميش مدينتهم وإقصاءها، بداية الاقصاء هذا بدأ من المدينة العتيقة حين رحلت عنها كل الادارات الحيوية والأسواق الاسبوعية التي كانت تنعشها وتحركها اقتصاديا ، فما أضحى من مطل أو زائر لهذه المدينة العتيقة إلا من ساكنيها ،مما جعل الكثير من المقاهي والمحلات التجارية تقفل ابوابها او تقبل بالرزق الهزيل.

هي تازة اليوم التي هي منسية من مخطط الجهوية، فالمدينة لا تعرف اي استقلال إداري مرؤوسة ما بين إدارة فاس والحسيمة، وكأن هذه المدينة  الآهلة بالسكان والمتميزة بشساعة مساحتها لا موطن ولا مقر لإدارتها في خريطة المغرب .

هي تازة اليوم التي رغم مؤهلاتها السياحية كمنطقة جبلية تتمتع بطبيعة خلابة لا تجدها في مواقع أخرى ،ومدينة الأكبر عدد من المغارات في العالم ،فإن ذلك لا يستغل في إحياء المدينة سياحيا لإنعاشها وفكها عن عزلتها ،ولا تدعم اقتصاديا وصناعيا بتطوير أنامل الصانع التقليدي التازي الذي كان يقدم من يديه لوحات زخرفية من فنون الخياطة والتطريز وصناعة الزرابي والنقش على الخشب وغير ذلك من فنون الصناعة التقليدية ،فكان معرض تازة السنوي يشكل قبلة لكل الزوار من كل أنحاء المغرب لاقتناء هذه التحف الفنية ،ناهيك على ان هذا المعرض كان عرسا تحتفي به ساكنة المدينة منذ الستينيات من القرن الماضي ، بالإضافة إلى تميزها بصناعتها العصرية منذ القدم ،التي أبانها ترديد كل المغاربة للمثل القديم الشائع “ماكفانيش حتى صابون تازة”،أما التجارة والصناعة اليوم في المدينة  فأعدمت  وأعدم معها دخل ورزق الساكنة في ظل غياب دور غرف التجارة والصناعة.

              هي تازة اليوم التي وجدها طائفة من المنعشين العقاريين فريسة سهلة لتقطيع أراضيها وتقسيمها تجزأت سكنية لتباع في الأخير للساكنة بقع وشقق بأثمنة ملتهبة يدعنون لها، نظرا لاحتكار سوق العقار بيد فئة محدودة ، فأضحى اليوم العقار في تازة المدينة التي تعاني الكساد والركود وضعف الدخول ، يعرف غلاء يضاهي أثمانه في مدينة  البيضاء الاقتصادية.

       هي تازة اليوم وستكون تازة الغد كذلك ،إن لم تتحرك ساكنتها ويعي مسؤولوها ومتخذي القرار في المدينة أن هذه الأخيرة لا تستحق التقطيع والمضاربة في مكتسباتها ومواردها، وإنما البحث عن العناية بجماليتها وإنعاشها ثقافيا وسياحيا واقتصاديا بأن تكون قبلة للاستثمار وإنعاش الشغل بالمدينة ،بدل أن توجه أموالها  ومردودياتها إلى وجهات تستثمر فيها ،لا ترفع عن ساكنتها حززهم وفقورهم ،وكما لو أن المدينة لا تعرف صلاحا وربحا سوى في الاستثمار العقاري وتصفيف المقاهي.

       هي تازة اليوم التي رغم ما تعيشه من ركود واحتضار ادى  بساكنتها وشبابها الذين يعيشون الفقر والعوز الى التنقل بين مدن المغرب كمياومين بحثا عن الرزق الذي يسد رمقهم ،فهي لازالت قادرة بفضل مؤهلاتها وإمكانياتها لاحتضان ابنائها  كي يجدوا كفايتهم في مدينتهم وبين أهاليهم .

       هي تازة اليوم والغد كذلك ،ان لم يقتنع ساكنتها  وذوي المال وذوي القرار السياسي الجديد الذين أبانوا عن حسن نواياهم بالنهوض بالمدينة جماليا، أن المدينة تحتضر هي وساكنتها اقتصاديا ،لذلك عليهم ان ينقبوا عن سبل إحياءها ،وأن يستغلوا مؤهلاتنا الجغرافية والمناخية التي جعلتنا معبرا بين الشرق والغرب وينبوع الطاقات المتجددة ،والسياحية التي جعلت من طبيعتنا وتضاريسنا ومغارتنا وصبيب مياهنا من أروع ما يسحر عين السائح الجبلي المغربي والأجنبي  ،كي تكون المدينة منبتا خصبا للاستثمار الصناعي والتجاري والسياحي،وان يداووا المدينة من عللها التي جمدتها واشلت حركيتها ،ويعقدوا مسالمة مع الحاضر والمستقبل  بالتنقيب  في قنوات ودواليب المسؤولية والأعمال عن رفع الحيف والتهميش عنها  ، ليعيدوا للمدينة امجادها وزمنها الجميل.

ابنة تازة

2 تعليقان

كريم

تازة الثريا اخذت تتراجع حين كشفت كتب التاريخ عن قولة ابن الخطيب”من مدينة تازة الى قرية فاس”وهذا قدرها

الرد
houssinesaf

أحيي الأستاذة الجليلة فتيحة التوزاني على صرختها الثاقبة بشأن “نكبة تازة” التي طال أمدها … وأنا من أبناء قبائل تازة أضيف للعنوان شقا ثانيا وهو “نكبة أبناء وأحفاد شهداء تازة”
نكبة نزع الملكية لتشييد المنطقة المعدة للإستعمارخلال السنوات الأولى من الحماية الفرنسية:
فقد ضحى شهداؤها بأرواحهم لمقاومة الإستعمار الفرنسي وعانى أبناء الشهداء من ظلم الخونة المتعاملين مع السلطات الاستعمارية الذين كان أغلبهم من السباقين للحصول على بطاقة المقاومة، والذين سطوا ظلما على آلاف الهكتارات من الأراضي الفلاحية المخصصة لتعويض الأراضي التي انتزعت ملكيتها السلطات الاستعمارية من أعيان قبائل تازة المقاومين الحقيقيين الذين فضلوا المقاومة برأس الماء وباب بويدير وتازكا وغابات مغراوة الوعرة،
نكبة السطو على أراضي أملاك الدولة التي منحت كتعويض عن الأراضي المنتزعة وإتلاف الوثائق محليا:
لما تم القضاء على جيوب المقاومة بالمنطقة سنة 1933 وقتل من قتل من المقاومين بالجبال، لم يتم إخبار من بقي حيا منهم بأن هناك ظهير شريف تضمن أسماء كل من انتزعت ملكية أراضيهم وهناك رسوم معاوضة تثبت أن الأراضي المنتزعة من أجل تخصيصها لتشييد ما سمي آنذاك ” المنطقة المعدة للإستعمار بتازة ” (وهي بناء الثكنة العسكرية التي لم تكن موجودة (انظر الصورة المرفقة) ومقر القيادة العامة المسماة فندق كونتينانتال وبناء محطة القطار ومقر البلدية والمستشفى العسكري والكنيسة والاشغال العمومية وغيرها…. لكن ما حصل فعليا هو أن هؤلاء الخونة كان منذ 1926 أغلبهم متموقعا بالمجلس البلدي والبعض الآخر كانوا جزائريين خونة منحتهم السلطات الاستعمارية الجنسية المغربية وأصبحوا بين عشية وضحاها من أشرس المنفذين للعقوبات والاغتيالات والتجسس ضد الوطنيين . حيث سطوا على الاراضي المعوضة بدون علم مالكيها أو أبنائهم الاحياء وأتلفوا كل الوثائق المتواجدة بإدارة أملاك الدولة التي كان مقرها بوجدة ثم بفاس قبل أن تستقر بتازة.
نكبة التلاعب باستغلال هذه الأراضي:
ما حصل هو أن من سكوا على هظه الأراضي يعرفون مالكيها الأصليين الذين لا علم لهم بها لذا عمد العديد من المستولين إلى اللجوء لأفراد عائلات المالكين الحقيقيين واستخدامهم أجراء وفلاحين ورعاة أغنام لديهم حتى يبقوا تحت سيطرتهم ومراقبتهم
نكبة مسطرة التحفيظ الجماعي منذ 1970
هذه المسطرة القانونية التي كان الهدف منها ضمان الحقوق تم استغلالها ظلما من طرف من سطوا على أراضي المعاوضة واستغلوها للحصول على رسوم ملكية بمجرد لفيف عدلي عالبا ما كانوا يخضعون للإنتقاء العشوائي خلال أيام الأسواق الأسبوعية مقابل ثمن التسوق للإدلاء بشهادة حول أرض لا يعرفون موقعها ولا صلة لهم بالمطالب بتحفيظها. وأغلب هؤلاء مازل حيا ويعترف بالواقعة. ويكفي استدعاءهم من طرف وكيل الملك ليضعوا بالحقيقة، علما أن عدد كبير من هظه الأراضي مازالت محل تعرضات وتعرضات مضادة في غياب وثائق أصول تمكلها، الشئ الظي يفسر تهافت لوبيات العقار عليها.
هذه الحقائق تم اكتشافها قبل شهور فقط، وذلك بفضل بعض أبناء هذه القبائل المنكوبة لزمن طويل، الذين حصلوا من الأمانة العامة للحكومة على الظهير الشريف الذي ينص على أسماء المالكين الحقيقيين كما حصلوا من قسم التوثيق بالمحكمة الإبتدائية بتازة على رسم المعاوضة الموقع بين أملاك الدولة والمالكين المحرومين، وهذا ما يثبت أن بلدنا “دولة الحق والقانون” وذلك رغم كل الممارسات اللاأخلاقية التي يتعاطاها لوبي العقار الخطير بهذه المنطقة ، لانه لم يستطع النفاذ للقضاء ولا للأمانة العامة للحكومة من أجل إتلاف رسوم المعاوضة الظهير الشريف اللذان يعتبران أصل تملك لا جدال فيه. وما ضاع حق من وراءه طالب
نكبة المواطنين ضحايا لوبي العقار بتازة
هذة الوضعية الشاذة نتج عنها انعكاسات اجتماعية ومالية وخيمة على سكان تازة خاصة وانه من ضمن ضحايا هذه التلاعبات العقارية مجموعات كبيرة من الموظفين والمواطنين المنخرطين في جمعيات سكنية اشترت بعض هذه الاراضي وهي غير محفظة ومنها ما هو في قبضة العدالة بتازة التي تحتكم حاليا للخبرة القضائية لاثبات حقوق المطالبين باسترجاع أراضي المعاوضة.
وفي الختام هذا مجرد سرد مقتضب لنكبات تازة التي آن الأوان لرفع الستار عن بعضها بمدينة تازة المنسية وسوف تتناقل صفحات الجرائد الالكترونية وقنوات التواصل الاجتماعي الكثير عن تطورات هذه القضايا التي لا مكان لها في عهد محمد السادس الذي تعترف كل دول العالم بتشبثه السامي بالقانون ورفضه لكل أشكال الظلم ضد رعاياه وحرصه على جبر الأضرار وعطفه اللامحدود على المقاومين الأوفياء لثورة الملك والشعب.
هذا هو أفضل دواء للمدينة من عللها التي جمدتها واشلت حركيتها ،وهو السبيل الوحيد الضامن لعقد صك المسالمة مع الحاضر والمستقبل الذي أشارت ألية الأستاذة الجليلة فتيحة التوزاني حتى يكون التنقيب الجاد في قنوات ودواليب المسؤولية دي جدوى ويفضي إلى رفع الحيف والتهميش عن المدينة وأبنائها ، ليعيدوا للمدينة امجادها وزمنها الجميل. houssinesaf@yahoo.fr

الرد

اترك رد